آخر مسمار

8787

لا أسعى لترويض جنوح الحياة و تلصصها المزمن عليّ بل أكتفي بالتحديق بها مانحاً إياها كل الأسباب لبغضي و لكن كأغلب المتورطين فيها أضطر أحياناً لعقد المصالحات أو شنّ الاعتداءات، أعني لم أعد أقف في مكاني المفضل “صفّ الإحتياط ” بل أُجر إلى قلب المعركة لأكون قائدها و أول شهيدٍ يقع . و أشدّ ما يدفعني لأن أترك مقعد الإحتياط هو أنني مثل أولئك الذين يمكنهم أن يتحملوا مسؤولية أنفسهم ، أن يُنهبوا ، يُسرقوا ، يطيروا بجناحٍ مكسور و قلب ممرغ كونهم على يقينٍ تام أنهم بشكل أو بآخر يملكون القدرة على لملمة تلك الفوضى التي أُحدثت بهم و أنّ أي ارتعاشة من قلبهم بمقدروهم تهدئتها ، تدفئتها ، منحها كل الأسباب لتستقيم ، و لكن هذا كله رغم الصلادة التي يوحي بها يندثر من بداية تبرعمه إلى أسوأ خريفٍ يعصف به إن استلقى بجانب كتفٍ أخرى . فتبدأ حينها بإعادة رسم حدودك مع الحياة أو مع أيّ شيء يصنعه خيالك ، تعيد ضبط قراراتك بل و تنفّسك و تدس خنجراً بعد أن تُحدّ نصله جيداً في جيبك ، بعدها ترجع بضع خطوات للوراء ، تغتضب ابتسامة ً ثم تتحرر . يلي هذا شعورٌ عجيب كقصةٍ خرجت خِلسة من ألفِ ليلةٍ و ليلة و حطّت بجمالها في قلبك و لا يكن أمامك سوى أن ترعاها حتى تكبر آملاً أن لا تستيقظ على نهايتها .

العجيب الآخر أنك شهدت على كثيرٍ من النهايات المزعجة ، المأساوية و الصادمة مع ذلك لا شيء دكّ ما كنت عليه يوماً .

أيُمكن أن تكون تلك الروح الأخرى المتمثلة في صديقٍ لا يكف عن إخبارك ” كم أنت رائع ” ، و المتمثلة أحياناً في وشاحٍ قرمزيّ يزيدك توهّجاً ، أو في سماءٍ على وشك أن تفرج عن قوس قزح بعد مُزنٍ بهيج هي بداية اختيارك للونٍ آخر غير الأسود أو الأبيض ؟ ما أعلمه أنّ أي نخرة تهّد هذا ستمنح نهاية جبّارة في عنفها

هكذا .. حين تنتظر أن يبلغ حزنك ذروته لتدفعه خارجاً فتتفاجئ أن عيناك لا تكفّ عن جلب دموعٍ لا تنتهي

و إني لأعتقد اعتقاداً مريباً أنّ هذهِ الدموع ستكون آخر مسمار سيدقّ في نعشي .

فرقعة إصبع

 23

كيف يُمكن أن تزّيف كل شيء كساحرٍ محترف يُوسع بؤبؤة جماهيره بسِحره ؟

لعلي أنتمي إليه .. إلى السِحر فبفرقعة إصبع يمكنني أن أصبح ذلك الظريف المبتهج الذي يجلجل القاعة بضحكاته

و لا يستطيع التحكم بعضلات فمه  فالابتسامة عنده كأنها كيانٌ مستقل  

و بفرقعة إصبع أخرى أصبح كحكيم محاطة بهالةٍ من الهيبة و لم يزده الشيب سوى وقاراً فوق وقار 

عليه سمتٌ هادئ روحانيّ كأنه اقتطع جزء من هذا العالم و أخذه معه إلى زاويةٍ ضيقة تاركاً كل جعجعة الحياة لنا  

هكذا .. بطرفة عين أصبح الغاضب الحانق صعبة المِراس الذي ينتفض لأي صوت نائح

و للهُتافات الصارخة فيلعن الحرب و يبصق على ما تبقى من كرامة و ما يترائى من أشباح حُرية ، فيزمجر و يبرق و يرعد كأنه نار الله الموقدة

ثم بطرفة عين أخرى أنزوي على نفسي متكئاً على كتفي أهمهم ببعض العبارات التي يراها الآخرين مبهمة و مُقَنّعة

أجلس و ساقي ملتفة بأختها ، يمر أحدهم محيياً إياي فأرد الإبتسامة بأضعافها ، و يمر آخر فيزيد في بغضه فاكتفي في التحديق أو الصمت 

فيرحل ظاناً أنه منتصر في حين أنّي لا أعتبر تلك الدقائق أو الثواني التي جرت معه تستحق أن تُسمّى حدثاً حتّى 

هكذا سُحرت بعالمي حتى لم يعد لي عالم غيره .. و لم أعد أستطيع التنقل بين عالمي و عالم الآخرين دون فرقعة إصبع 

ذلك يجعلهم لا يعلمون كنهي بل الأكثر رعباً أنهم سيقسمون قسماً غموس أنهم يعرفونني من بداية تفاصيلي الدقيقة إلى أعمق ما فيّ

و بقولهم هذا يمنحنوني درجة عالية في مهارة فرقعة الأصابع .

هل يمكن أن أتوقف يوماً عن فرقعة الإصبع ؟ و أكون – أنا – بجُلّي أسابق الأيام كأي شخص آخر ؟

أظهر بصورتي الفريدة بدون تعددات صارخة ؟

 لست أدري ، ربما سيكون هذا اليوم هو ذاتُ اليوم الذي “لن أستطيع ” فيه فرقعة إصبعي و لا قلبي 

أعتقد أن البشر يسمّونه ” الرحيل ” 

 

رد : سرطان

و لأن السرطان يُكتشف متأخراً أحياناً ، نظراً لسوء تشخيص الأطبّاء أو لإهمال المريض

و لأنني طبيب سيء و مريض مهمل ، فقد اكتشفت هذا السرطان متأخراً

فكان ردّي هو التالي  ( محاكاة .. بتوقيعي ) 

التفاصيل التفاصيل يا  أنت، هي من تحرق خلايا عقلي الرمادّية تنبش في ذاكرتي كأن روحها تقبع فيها ، أشعر أحياناً أن الأعوام التي مضت تمّ ” هتكها ” منّي و أنا كنت أراقب .. أراقب كما حارسٍ في ليلة بهيمة غشاه النعاس و نام فأهلك نفسه  . و أنا الذي أعيش في الرمق الأخير من الليل حتّى و ساعتي البيولوجيّة في أسوأ ” تكّاتها ” لازلت تنتابني لحظات اللا عبور تلك التي أفقد معها الإحساس بأيّ ذنب ! حتّى صوتكِ حين يصلني نزقاً ” تريدين شخص كامل ” ، تخيّلي أن هذه الجملة رغم عُريّها من الصحة تشعرني بأنّي رائعة ! مما يجعلكِ تصرخين مرة أخرى “__” ، الآن فقط أدركت أن الحول الذي مضى تم امتصاصه منّي ، امتّدت إليّ يد شياطين الإنس في غفلة لتخرجني من عالميّ حتى أضيع بين متاهاته . الذكريات يا فلانة لا تُشترى و لا تُباع ، و القدر ليس سوى الجسر الذي تعبر عليه هذه الذكريات ، حتّى تلك الذكريات المُقنَّعة إنها أكثر وضوحاً من غيرها و إن وُضعت وسط غرابيب الليل تعلمين جيداً أنّي سأنساك كما أنّي لا أقدر أن أقول لكِ ذات يوم ” أنني أحتاجك ” ، أنا دوماً لا أحتاجك ، لا أحتاجكِ لتخبريني أنني نسيت شيئاً ما أو أنني أقود بسرعةٍ خياليّة و عليّ الانتباه فالخيط الذي يفصل الموت عن الحياة رفيع للغاية  كلها أشياء تافهة في نظرهم و في ” نظري ” ، لكنهم لا يعلمون أن هذه اللامبالاة للصغائر تعني أن لا شيء يمكنه اقتحامي حتى تلك الأسرار التي لطالما خبأتها عن نفسي و عن أشيائي الجميلة التي كنت أظن أني لن أفقدها لكنني فقدتها كالعادة ، كل ما يهم الآن أن لا أفقد نفسي أمامك ، هذا الأمر مهم بالنسبة لي ، تخيّلي أن أتشبث بمن يُطهرّ نفسه بالنجاسة.؟ هذا يشبه أن أتمسك بكِ ، فافلتي يديّ لأن النجاسة تُعدي .

 

من ترك فرحه منتظرا ؟

33

ما فعلتُ لأحدٍ جميل

عارٌ عليّ أنْ اتخذّ من خيري لك جميل 

لكن فليوقف أحدهم هرولة هذه الحروف

فليمدّ أحدهم ساقه كي يعرقلها من المضيّ

و ليجب على هذيانها :

من ترك فَرحه مُنتظراً ؟

مهزوزَ الخاطر منكسرا 

ينظر لما تركه بشغف كبير

و الناس خلفه من أفعاله مذهولين 

ترك فَرحه خلفه ساهراً

و جرى الأميال يشاطرك حزنك

آثرك بقطعٍ من فرحه

بقيت واحدة

فشطرها نصفين

رفع النصفين إلى السما

دقق ناظريه و قلبّهُما

و اختار النصف الأكبر

ليهديه لك له مردداً ” لست جائعاً “

ناولك القطعة الكبرى من فَرحه

و بيساره خبأ القطعة الأخرى في جيبك

ثم مضى جائع الجوف و الروح 

 قل لي ، من ترك فرحه منتظرا ؟!!

 

جئت هكذا ..

8CqEa

جئتَ هكذا ..

مثل عملةٍ قذفتُها فحطّت على الوجه الذي أريده

مثل فلاحٍ محدودب الظهر يعدّ الكلمات ليشرح لإبنه أنْ لا طعام اليوم

فيُفاجئ بحصادٍ لم يراه

أجل .. مثل مطرٍ في صيفٍ حارق

و شجار زوجين يُصدَما بحقيقة أنهما سيرزقا بطفل .. فيخبو الشجار

هكذا .. كرغبة طفلٍ جامحة في لعبة و بدون أن ينطق أو يبكي

يراها أمامه ..

جئت عنوة و بهجة و ( مستحيل )

و رحلت تماماً كما جئت

مثل عملةٍ قذفتها فحطّت على الوجه الذي لا أريده .

2OM35794

هل جالت عيناك يوماً في ملامح ٍ مشرقة و كنت الشاهد على تغضّن تفاصيلها و شحوب لونها مشهداً بمشهد ؟

هل تابعت تفاصيل هذا التحوّل ؟ كيف ضاقت الابتسامة الواسعة و تقارب الحاجبان و جُعِّد الجبين ؟

لقد رأيت مشاهد كثيرة

أطرق الكثيرون أمامي طرفهم و بُهتت بسمتهم

ليقتبسوا لي من ماضٍ مؤلم مخجل ،

جميعهم يملكون ما يخجلون منه ، ما يأرق مضجعهم و يُعفي تفاؤلهم عن العمل لأمد طويل

و حين سألوني أجبت ببساطة

” أعتقد أنّي كنت شخص أفضل بكثير مما أنا عليه الآن و هذا ما يزعجني فقط “

:فأشار أحدهم على ورقة سوداء بها بعض الخطوط المكتوبة بلون أبيض و قال :

” انظروا جيداً، أخطاءنا جميعاً تمثّل هذا اللون الأبيض و خطئكِ أنتِ مقارنة بنا هو هذا السواد القليل “

هههه

لا يمكن استصغار الخطأ يا صديقي حتّى أولئك ” الآخرين”  و هم – طبعهم – بغي و عدوان

إن أخطأت خطئاً عابر سيحفظون تفاصيل الخطأ منذ أن ابتدأ برعمه إلى أن أزهر تصرفك الأحمق ذاك 

إلا أني أتساءل كثيراً ، هل من الجيد أن لا أملك ما أخجل منه ؟ ما أعلمه أنّ من السيء أن أملك ما أخجل منه

لكني أعتقد أنّ الأمر مزعج للغاية حين لا تملك ما تخجل منه ، فهو بشكل أو بآخر يزيد من ترجيح

أنْ يكون الغد هو ما ستخجل منه !

لكن يا صديقي ، البياض لا يعني دوماً النقاء بقدر ما يعني الفراغ ، دع صوتك يصدح فيّ و استمع للصدى المجلجل !

“ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك بل بما لا يستطيع أن يظهره . لذلك إن أردت أن تعرفه فلا تصغِ إلى ما يقوله بل إلى مالا يقوله “

– جبران خليل جبران

 

كتابة

21

أتساءل أحياناً من الذي أجنيه من الكتابة ؟ بعيداً عن تلك الإجابات المعروفة والمكررة على مثل هذه الأسئلة فما الذي أجنيه ؟ كشخص عاديّ و ككاتب مغمور لا يرى ما اكتبه سِوى عشرة و لا يفهم ما اكتبه سِوى خمسة و لا ينتقد ما اكتبه سِوى واحد بل نصف واحد ، حينّ أجُري المعاني على رصيف حُروفي .. استمتع .. أحبّها .. و لكن بعد ما تقع مني إلى أين تذهب ؟ كم إشارة خضراء ستسمح لها بالعبور و كم إشارة حمراء ستوقفها في مهدها دون مرور ؟ ، لا أدري مقدار الصدّق الذي يتحّلى به الكُتّاب بشعرهم و نثرهم و خواطرهم العابرة صُدفة أو المُنتظرة بميعاد ، لكن في الغالب حين أقرأ للكثير من الكُتّاب أرى صدقاً في كِتاباتهم و لولى قدرتهم على إيصال المعنى بصدق دون تصنع أو سطحيّة لما أحببنا ما كتبوه و لما شُهروا و لاقت كتاباتهم رواجاً . لكنني ككاتب أو كهاويّ أو ككويتّب أو كمخضرم .. أو … أو .. أو .. لا يهم في حديثي رُتبتي في الكتابة سواء كنت ضليع بها أو ساذج ، فأنا لست صادق في ما اكتبه ، كثيراً ما أكتب أموراً لا أأمن بها ، أموراً أراها حمقاء لكنني أزيّنها قليلاً ببعض الحروف و ” أهنّدسها ” لتصبح جميلةً حسناء ، هممم لعلي كاتب مخادع كاتب يحب أن يجربّ الأمور بنفسه و لا يكتفي بأن يقول له الآخرون : هذا الطريق خطأ فلا تعبره ! فأنا أعبره لكي أرى الخطأ بعينيّ و ما أقوم به عين الضياع و عين الخطأ و جسد المُتعة ! نعم نعم أستطيع أن أفهم الفرق فلأجل أن تتحدث عن الحزن – استناداً للصدق – فإما أن تكون حزين .. أو متأثراً بحادثةً ما .. أو رغبة منك بسرد مفهومك الشخصي ّ عن الحزن .. و ليس بالضرورة أن تكون حزين .. و نظرة أخرى كأن تتحدث عن حرب ما بعاطفة ملتهبة بالرغم أنك لست في موقع هذه الحادثة لكن تأثرّك نابع من قراءتك عنها و اطلاعك بها أو أي أمر آخر لكن كل هذه المؤثّرات بعيدة عنّي لذلك مازال الصدق عنّي بعيد و مُرخيّ سِتاره ، لكن هل هذا مهم ؟ هل يجب أن نكون صادقين ؟ أحياناً كثيرة أرى أنّي أسخر ممن يعانق كلماتي لكن قبل هذا فأنا أسخر من نفسي ، لكن أليست السخرية و التهكم حليفة ٌ لي دوماً ؟ ألا يجب أن أرضيها كي لا تنقلب ضديّ و تثور عليّ ؟ و كم عليّ أن أكذب ؟ ، البشر يكذبون لأجل ارضاء الآخرين ممن يحبّون و يهتمون لأمرهم أو يكذبون لأجل الفرار من أمرٍ ما لكنني لا أكذب لأجل ارضاء أحد و لا تملصاً و تهرباً من أي أمرٍ غامض ، أكذب فقط لأجل ارضاء نفسي ،

فكم عليّ أن أكذب لأجل ارضاءها؟